هرمز كشف نقطة ضعف آسيا… سباق لبناء مخزون النجاة

هرمز كشف نقطة ضعف آسيا… سباق لبناء مخزون النجاة -- Sep 03 , 2026 9

بعد 6 أشهر على اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم تعد أزمة الطاقة في آسيا مجرد ارتفاع في الأسعار. فالمنطقة التي تعتمد بكثافة على نفط وغاز الخليج وجدت نفسها أمام سؤال أكبر: ماذا يحدث إذا انقطع شريان هرمز؟

وبحسب "Al Jazeera English"، كانت آسيا من أكثر المناطق تضرراً من التداعيات الاقتصادية للحرب، بسبب اعتمادها على الإمدادات التي تمر عادة عبر مضيق هرمز، حيث تراجع الشحن إلى مستويات محدودة بفعل الهجمات الإيرانية والحصار البحري الأميركي.

في البداية، لجأت الحكومات الآسيوية إلى إجراءات طارئة. بعض الدول فرضت سقوفاً لأسعار الوقود، وأخرى اعتمدت أيام قيادة بالتناوب، فيما طلبت حكومات من موظفي القطاع العام العمل من المنزل لتخفيف استهلاك الطاقة. لكن هذه التدابير لم تكن سوى علاج مؤقت لأزمة أكبر.

بعد أشهر من الاضطراب، بدأت آسيا تبحث عن حل دائم: تخزين النفط والغاز قربها، وبناء بنية تحتية تقلل تعرضها لأي خنق جديد في الممرات البحرية.

اليابان كانت في مقدمة هذا التحول. ورغم اعتمادها الكبير على طاقة الشرق الأوسط، تمكنت طوكيو من امتصاص الصدمة أفضل من غيرها لأنها تملك واحداً من أكبر الاحتياطات النفطية الاستراتيجية في العالم. لذلك تريد الآن نقل هذه التجربة إلى جنوب شرق آسيا.

في نيسان، أعلنت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي مبادرة "POWERR Asia" بقيمة 10 مليارات دولار، لمساعدة اقتصادات جنوب شرق آسيا على شراء النفط والمنتجات البترولية، ثم بناء مخزونات استراتيجية على المدى الطويل.
 

الأرقام تكشف حجم الهشاشة. فعند اندلاع الحرب أواخر شباط، لم يكن لدى فيتنام احتياطي نفطي وطني يكفي سوى 5 إلى 7 أيام، رغم أن المخزونات التجارية ومصادر أخرى كانت قادرة على تمديد الإمدادات حتى 65 يوماً إضافياً. أما تايلاند فامتلكت نحو 61 يوماً من الاحتياطات العامة والخاصة، بينما قُدرت إمدادات الفيليبين بين 50 و60 يوماً في المخزونات التجارية الخاصة.

كل هذه الأرقام بقيت دون معيار وكالة الطاقة الدولية البالغ 90 يوماً، ما أعاد النقاش في بانكوك ومانيلا حول ضرورة إنشاء احتياطات نفطية حكومية حقيقية. وفي الفيليبين، وافقت لجنة برلمانية الشهر الماضي على مشروع قانون لإنشاء احتياطي حكومي يكفي 60 يوماً.

تايلاند تتحرك من زاوية أخرى. فمسؤولوها يدفعون باتجاه مشاريع خطوط أنابيب وخزانات نفط تعبر شبه

الجزيرة، في محاولة لتحويل البلاد إلى مركز تخزين للخام الخليجي ومنافسة سنغافورة في هذا المجال.

في جنوب آسيا، دفعت الحرب الهند أيضاً إلى إعادة التفكير بمخزونها الاستراتيجي. وكانت نيودلهي تملك في أيار مخزونات نفط تكفي نحو 74 يوماً، أكثر من 90% منها لدى شركات حكومية. وفي تموز، أعلنت شركة النفط والغاز الطبيعي الهندية الحكومية بناء احتياطي جديد في جنوب البلاد بسعة 1.75 مليون طن متري، أي نحو 13 مليون برميل، إضافة إلى خطط لتوسيع المخزونات القائمة بـ6.5 ملايين طن متري.

لكن التحول لا يقتصر على التخزين الداخلي. فاقتصادات آسيا الكبرى تبحث أيضاً عن اتفاقات تخزين مباشرة مع موردي الخليج. اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة لديها علاقات طويلة مع دول شرق أوسطية لتخزين الإمدادات قرب سواحلها، وهناك اهتمام بتوسيع هذه القدرة وربما توقيع تفاهمات جديدة.

الإمارات، عبر شركة "ADNOC"، تخزن أصلاً نفطاً في سنغافورة والهند وكوريا الجنوبية واليابان، فيما تمتلك الكويت والسعودية مخزونات في كوريا الجنوبية واليابان. وتسعى "ADNOC" إلى رفع قدرتها التخزينية في الهند إلى 30 مليون برميل، بينما تدرس نيودلهي تخزين جزء من احتياطاتها في ميناء الفجيرة الإماراتي على خليج عمان، أي خارج عنق الزجاجة في هرمز.

كوريا الجنوبية تدرس بدورها توسيع احتياطاتها البالغة نحو 146 مليون برميل، بإضافة 30 إلى 40 مليون برميل، بعدما كانت الخطة الأولية تقضي بإضافة 20 مليوناً فقط.

أما

الصين، ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة، فقد عزز إغلاق هرمز قناعتها بأن أمن الطاقة لم يعد خياراً. وتضمن خطتها الخمسية الجديدة لتطوير النفط والغاز، بين 2026 و2030، توسيع خطوط الأنابيب ومخزونات الغاز الطبيعي المسال، إضافة إلى زيادة الحفر في المياه العميقة.

وفي أيار، أعلنت شركة "PipeChina" الحكومية تسريع العمل في نحو 40 مشروعاً للنفط والغاز، بينها 9000 كيلومتر من خطوط الأنابيب المحلية. ورغم أن هذه الخطط وُضعت قبل الحرب، فإن الأزمة الحالية منحتها مبرراً أقوى داخل دوائر القرار الصينية.

المعادلة الجديدة في آسيا واضحة: لم يعد السؤال فقط من أين يأتي البرميل المقبل، بل كيف يصل؟ وكم تستطيع الدولة الصمود من دونه؟ وهل يمكن تقليل الحاجة إليه أصلاً؟

لهذا، تنتج الأزمة نوعين من الاستثمار: الأول يبني طرقاً ومخازن وخطوط أنابيب لتجاوز المخاطر الجيوسياسية، والثاني يحاول تقليل الاعتماد على الوقود المستورد من الأساس.

بهذا المعنى، تحولت حرب إيران إلى درس استراتيجي لآسيا. فالمنطقة التي بنت نموها على تدفق الطاقة من الخليج تكتشف الآن أن الازدهار قد يتوقف عند مضيق ضيق. ومن هنا، لم يعد الاحتياطي النفطي مجرد بند في سياسة الطاقة، بل جزءاً من الأمن القومي والقدرة على النجاة في عالم تتكاثر فيه الحروب ونقاط الاختناق.

أقرأ أيضاَ

الكهرباء السورية تتعافى تدريجياً: هل تدوم الـ24 ساعة؟

أقرأ أيضاَ

ورقة نقدية بصورة ترامب... واشنطن تطرح دولاراً جديداً وتواجه طعناً في قانونيته